محمد الرفيدي
05-03-2006, 10:40 PM
قرية شفق
شعر : عبدالله عبيان
قراءة : محمد الرفيدي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النص :
باب ..
داخله مليون باب
انفتح ..
يبكى النهار اللي شهق ..
بين وسطى الليل .. وابهام الشفق
لين نادتني الدروب
وجيت ماشي
حاملٍ في جيبي المشقوق بعض اللي تبقى ..
من معاشي
كل همي .. شوفة امي
بعد ماطال الغياب
.........
قريتي ..
جيتك وانا كلي حزن
طفل ضيع لعبته
وارتسم فوق الغبار
اللي على وجهه مسيرة دمعته
كل دمعه زز قبلة تلحفت خدين زهرة ..
والسما كله جراد
...
هم ليل .. او ليل هم ..!
كم رسمته بالفحم ...
في جدار الطين نور يبتسم ..!
يستحي منه الضحى ..لاصحا
وصار يدعيني جحا ..!
.........
آه ... آه
آه .. ياوجه المدينه ويش ذنبي .؟؟!
لاصرت انا ابشع خلق ربي ..!
واضحكت لي بنت بدو ..
ارتخى في عينها الليل ..ونسى نفسه ونام ..!
واهمست لي ..
واوهمت فصل الربيع اللي ذبل ورده بحبي ..!
ويش ذنبي ..؟!
ذنبي اني كنت طالب ..!!
حاول يصففي مياه البحر من كل الطحالب..!
ويوم صحّاه الصباح :
وراح يحمل دفتر الذنب المباح
وفي طريقه..
شاف عصفورٍ يغني في حديقه
واسأله:
لو تشب الريح في بستانك اليافع حريقه ..
وش يصير ..؟!
لو نبت جوعك .. وشوكة غربتك بين اصابع تربتك ..
قل .. وش يصير ..؟!
وارتفع ريش السكوت ..
ولا قدر صوته يطير
........
قريتي مافيه قدي
لاصارت الدعوه تحدى ..
والله ان اهز جذع المستحيل بظل يدي .
القراءة :
عبدالله عبيان اليامي .. هذا الشاعر المحمل بهموم أقاصي الجنوب ، قرأته قبل سنوات عدة ، كان يتناثر هنا وهناك ، .. ومن بعيد كنت أظن أنه سيشكل مع المجموعة من أبناء منطقته كفاً تسقط من أصابعه ثروات الشعر ، وكان عبد الهادي الخليوي وقايد الشريف ومنصر الأسبق شعراً وغيرهم ، غير أن عبيان سرق الأضواء من أولئك وتعدّى الركب بقوة ، فهل لأن الركب كان يمشي ببطء ؟ أم لأن تجربة عبيان كانت الأسرع ؟
في هذا سنقرأ نص العبيان ، وهو نص " قرية شفق " ، فتعالوا بنا إلى هذا الضوء المتدفق ...
أولاً : كنت أتمنى من عبيان أن يوظف الرمز / الباب في نص " قرية شفق " توظيفاً أفضل مما كان ، غير أني أتوقع أن الشاعر هنا خانه تتبع مآثر التقنية التي أراد وصفها في هذا النص تجاه القرية ، فعدل عما كان بالإمكان وصف النص من خلاله بأنه من أفضل نصوص العامية إلى نص وصفي بحت .
لكن هذا النص الوصفي امتلأ فعلاً بتصاوير عدة حلقت به إلى آفاق أبعد مدى مما لو كان غير ذلك ، ولا شك أنها نحو الأميز شعراً .
إقرؤا معي :-
انفتح ييبكي النهار اللي شهق
بين وسطى الليل وابهام الشفق
وهو هنا بالتأكيد يعني ( الباب ) ذلك الذي انفتح ليبكي نهاراً شهق ، وكان ذلك بين " وسطى " و " إبهام " الشفق ، ولنقرأ سوياً :-
وسطى و إبهام وعلاقتهما بالجيب المشقوق لفظاً ومعنى ً ، ثم إلى المفردة " معاشي " في قوله :-
بعض اللي تبقى من معاشي .
والسؤال هنا : هل يستطيع إنسان ما إخراج ما تبقى من جيبه ( المشقوق ) عندما يحلق الوسطى بالإبهام ؟
لا شك أن شيئاً مما تبقى سيبقى ، بدليل أن الشاعر قال :-
كل همي
شوفة أمي
وإذا ما أمعنا النظر في أصابع اليد الواحدة ، وأحللنا مقابل كلمة " وسطى الليل " الوسطى في أصابع الكف ، رأينا كيف أن عبيان لم يختر الخنصر مثلاً على أساس من مقابلة الشفق ، لماذا ؟
نحن نعلم أن الليل يبدأ بأوله ، وأول أصابع الكف خنصر اليد .
بدليل أن أحدنا حينما يعد أو يحسب شيئاً ما فإنه يبدأ بضم خنصره إلى كفه ، وعندما يشير إلى أواسط الأشياء فإنه يؤمىء بالوسطى من أصابعه على أساس من الوسطية ، لكن الحقيقة التي ربما لن يدركها أحد أن اليامي كان يشير أيضاً إلى إرادته في إخراج ما تبقى من معاشه من جيبه المشقوق ، وكيف يتم له ذلك إذا ما ضم الخنصر إلى الوسطى ؟
لا شك أنه لا يمكنه بحال فعل ذلك إلا بتحليقة الوسطى بالإبهام ..!
ثم السؤال : كيف يتحول رمز الهم في نص اليامي إلى بياض يستحي من الضحى ؟
في البداية كان الهم في عبق اليامي ليلاً ، حيث قال :-
كم رسمته بالفحم ...
إضافة إلى السواد / الهم ، رسم الشاعر هذا الهم بالفحم ، لكنه تحول هذا الرمز إلى بياض / نور يبتسم ، لماذا ؟
وعلى ماذا ؟
على جدار الطين ..
صحيح أن الشاعر شحذ المفردة " في " لـ جدار الطين ، غير أن هذه الـ " في " لا تتناغم واستحياء الضحى من ذلك النور ..!
فإذن " على " ربما كانت الأكثر جدلاً في هذا النص وإن لم تكن لتتناغم موسيقياً مع باقي المفردات الشعرية فيه ، لكن ماذا كان يود أن يقول هذا المتناقض ؟
لا شك أن هناك ما هو أدعى للبحث ، فلنقرأ :-
قلنا : إن الضحى يستحي من ذلك النور الذي رسمه الشاعر بالفحم ، والذي هو في الأصل همه ، أو ليل همه ، طيب : ما ذا لو علمنا أنه كان يريد الوصول بنا إلى كشف المستور من سلوكيات الشاعر عبيان / دماثة الخلق المكتوبة في :-
ذنبي إني كنت طالب ...
حاول يصفي مياه البحر من كل الطحالب ..!
فهل الطالب يختار الأنقى من بين الأشياء ؟ أم أنها تفرض عليه مسلمات يؤمن بها لزاماً دون تحرر ؟
إن كان الأول فإن عبيان منحنا الثقة لتصور البرواز الحقيقي للطالب فعلاً ، وإن كان الثاني فإنه فقط أراد التحليق بنا في مثالية لم يكن لها مثيل في عالم طالب اليوم ، ولا أخاله إلا كذلك .
والذي يقوم بمهمة التصفية هو " العالِم " وليس " الطالب " كما يتهجى العبيان هنا في مذكراته الشعرية ، ومعلوم بالضرورة أن الاختيار مبني على العلم ، وإلا كيف يختار أحدنا شيئاً لا يعرف ماهيته ؟
لكننا نعود فنؤكد أن لدى اليامي من الدهشة ما يكفي لملء عيوننا انبهاراً ....
حدقوا معي :-
يوم صحاه الصباح ...
وراح يحمل دفتر الذنب المباح .
هل رأيتم كيف أنه تعمد أن يلبس الطالب صفة الاختيار ، هذه الصفة التي لا يمكن أن تكون إلا لعالِم !!
إنه يريد أن يوقعه في مغبة ذنبه المباح ...!
بدليل أنه سرد بعد ذلك عدة أسئلة على لسان هذا الطالب فحواها :-
وأسأله : لو تشب الريح في بستانك اليافع حريقة ...
وش يصير ؟
لو نبت جوعك ، وشوكة غربتك ( من ) بين أصابع تربتك ، قل وش يصير ؟
لكن أروع ما يمكن أن نكحل به أعيننا قبل أن نختم قراءتنا هذه قول العبيان :-
وارتفع ريش السكوت ..
ولا قدر صوته يطير .
وما دام أنه حق لعبيان أن يقلب عصا الشعر حية ، فقد حق لنا أن نؤمن بسحره
شعر : عبدالله عبيان
قراءة : محمد الرفيدي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النص :
باب ..
داخله مليون باب
انفتح ..
يبكى النهار اللي شهق ..
بين وسطى الليل .. وابهام الشفق
لين نادتني الدروب
وجيت ماشي
حاملٍ في جيبي المشقوق بعض اللي تبقى ..
من معاشي
كل همي .. شوفة امي
بعد ماطال الغياب
.........
قريتي ..
جيتك وانا كلي حزن
طفل ضيع لعبته
وارتسم فوق الغبار
اللي على وجهه مسيرة دمعته
كل دمعه زز قبلة تلحفت خدين زهرة ..
والسما كله جراد
...
هم ليل .. او ليل هم ..!
كم رسمته بالفحم ...
في جدار الطين نور يبتسم ..!
يستحي منه الضحى ..لاصحا
وصار يدعيني جحا ..!
.........
آه ... آه
آه .. ياوجه المدينه ويش ذنبي .؟؟!
لاصرت انا ابشع خلق ربي ..!
واضحكت لي بنت بدو ..
ارتخى في عينها الليل ..ونسى نفسه ونام ..!
واهمست لي ..
واوهمت فصل الربيع اللي ذبل ورده بحبي ..!
ويش ذنبي ..؟!
ذنبي اني كنت طالب ..!!
حاول يصففي مياه البحر من كل الطحالب..!
ويوم صحّاه الصباح :
وراح يحمل دفتر الذنب المباح
وفي طريقه..
شاف عصفورٍ يغني في حديقه
واسأله:
لو تشب الريح في بستانك اليافع حريقه ..
وش يصير ..؟!
لو نبت جوعك .. وشوكة غربتك بين اصابع تربتك ..
قل .. وش يصير ..؟!
وارتفع ريش السكوت ..
ولا قدر صوته يطير
........
قريتي مافيه قدي
لاصارت الدعوه تحدى ..
والله ان اهز جذع المستحيل بظل يدي .
القراءة :
عبدالله عبيان اليامي .. هذا الشاعر المحمل بهموم أقاصي الجنوب ، قرأته قبل سنوات عدة ، كان يتناثر هنا وهناك ، .. ومن بعيد كنت أظن أنه سيشكل مع المجموعة من أبناء منطقته كفاً تسقط من أصابعه ثروات الشعر ، وكان عبد الهادي الخليوي وقايد الشريف ومنصر الأسبق شعراً وغيرهم ، غير أن عبيان سرق الأضواء من أولئك وتعدّى الركب بقوة ، فهل لأن الركب كان يمشي ببطء ؟ أم لأن تجربة عبيان كانت الأسرع ؟
في هذا سنقرأ نص العبيان ، وهو نص " قرية شفق " ، فتعالوا بنا إلى هذا الضوء المتدفق ...
أولاً : كنت أتمنى من عبيان أن يوظف الرمز / الباب في نص " قرية شفق " توظيفاً أفضل مما كان ، غير أني أتوقع أن الشاعر هنا خانه تتبع مآثر التقنية التي أراد وصفها في هذا النص تجاه القرية ، فعدل عما كان بالإمكان وصف النص من خلاله بأنه من أفضل نصوص العامية إلى نص وصفي بحت .
لكن هذا النص الوصفي امتلأ فعلاً بتصاوير عدة حلقت به إلى آفاق أبعد مدى مما لو كان غير ذلك ، ولا شك أنها نحو الأميز شعراً .
إقرؤا معي :-
انفتح ييبكي النهار اللي شهق
بين وسطى الليل وابهام الشفق
وهو هنا بالتأكيد يعني ( الباب ) ذلك الذي انفتح ليبكي نهاراً شهق ، وكان ذلك بين " وسطى " و " إبهام " الشفق ، ولنقرأ سوياً :-
وسطى و إبهام وعلاقتهما بالجيب المشقوق لفظاً ومعنى ً ، ثم إلى المفردة " معاشي " في قوله :-
بعض اللي تبقى من معاشي .
والسؤال هنا : هل يستطيع إنسان ما إخراج ما تبقى من جيبه ( المشقوق ) عندما يحلق الوسطى بالإبهام ؟
لا شك أن شيئاً مما تبقى سيبقى ، بدليل أن الشاعر قال :-
كل همي
شوفة أمي
وإذا ما أمعنا النظر في أصابع اليد الواحدة ، وأحللنا مقابل كلمة " وسطى الليل " الوسطى في أصابع الكف ، رأينا كيف أن عبيان لم يختر الخنصر مثلاً على أساس من مقابلة الشفق ، لماذا ؟
نحن نعلم أن الليل يبدأ بأوله ، وأول أصابع الكف خنصر اليد .
بدليل أن أحدنا حينما يعد أو يحسب شيئاً ما فإنه يبدأ بضم خنصره إلى كفه ، وعندما يشير إلى أواسط الأشياء فإنه يؤمىء بالوسطى من أصابعه على أساس من الوسطية ، لكن الحقيقة التي ربما لن يدركها أحد أن اليامي كان يشير أيضاً إلى إرادته في إخراج ما تبقى من معاشه من جيبه المشقوق ، وكيف يتم له ذلك إذا ما ضم الخنصر إلى الوسطى ؟
لا شك أنه لا يمكنه بحال فعل ذلك إلا بتحليقة الوسطى بالإبهام ..!
ثم السؤال : كيف يتحول رمز الهم في نص اليامي إلى بياض يستحي من الضحى ؟
في البداية كان الهم في عبق اليامي ليلاً ، حيث قال :-
كم رسمته بالفحم ...
إضافة إلى السواد / الهم ، رسم الشاعر هذا الهم بالفحم ، لكنه تحول هذا الرمز إلى بياض / نور يبتسم ، لماذا ؟
وعلى ماذا ؟
على جدار الطين ..
صحيح أن الشاعر شحذ المفردة " في " لـ جدار الطين ، غير أن هذه الـ " في " لا تتناغم واستحياء الضحى من ذلك النور ..!
فإذن " على " ربما كانت الأكثر جدلاً في هذا النص وإن لم تكن لتتناغم موسيقياً مع باقي المفردات الشعرية فيه ، لكن ماذا كان يود أن يقول هذا المتناقض ؟
لا شك أن هناك ما هو أدعى للبحث ، فلنقرأ :-
قلنا : إن الضحى يستحي من ذلك النور الذي رسمه الشاعر بالفحم ، والذي هو في الأصل همه ، أو ليل همه ، طيب : ما ذا لو علمنا أنه كان يريد الوصول بنا إلى كشف المستور من سلوكيات الشاعر عبيان / دماثة الخلق المكتوبة في :-
ذنبي إني كنت طالب ...
حاول يصفي مياه البحر من كل الطحالب ..!
فهل الطالب يختار الأنقى من بين الأشياء ؟ أم أنها تفرض عليه مسلمات يؤمن بها لزاماً دون تحرر ؟
إن كان الأول فإن عبيان منحنا الثقة لتصور البرواز الحقيقي للطالب فعلاً ، وإن كان الثاني فإنه فقط أراد التحليق بنا في مثالية لم يكن لها مثيل في عالم طالب اليوم ، ولا أخاله إلا كذلك .
والذي يقوم بمهمة التصفية هو " العالِم " وليس " الطالب " كما يتهجى العبيان هنا في مذكراته الشعرية ، ومعلوم بالضرورة أن الاختيار مبني على العلم ، وإلا كيف يختار أحدنا شيئاً لا يعرف ماهيته ؟
لكننا نعود فنؤكد أن لدى اليامي من الدهشة ما يكفي لملء عيوننا انبهاراً ....
حدقوا معي :-
يوم صحاه الصباح ...
وراح يحمل دفتر الذنب المباح .
هل رأيتم كيف أنه تعمد أن يلبس الطالب صفة الاختيار ، هذه الصفة التي لا يمكن أن تكون إلا لعالِم !!
إنه يريد أن يوقعه في مغبة ذنبه المباح ...!
بدليل أنه سرد بعد ذلك عدة أسئلة على لسان هذا الطالب فحواها :-
وأسأله : لو تشب الريح في بستانك اليافع حريقة ...
وش يصير ؟
لو نبت جوعك ، وشوكة غربتك ( من ) بين أصابع تربتك ، قل وش يصير ؟
لكن أروع ما يمكن أن نكحل به أعيننا قبل أن نختم قراءتنا هذه قول العبيان :-
وارتفع ريش السكوت ..
ولا قدر صوته يطير .
وما دام أنه حق لعبيان أن يقلب عصا الشعر حية ، فقد حق لنا أن نؤمن بسحره