ريميه
02-11-2007, 06:32 PM
قراءة في قصيدة : الوداع بين عبد الرحمن بن مساعد والبندري بنت هذلول
http://www.rooyl.com/files/sho-37.jpg
بقلم : ريمية
قبل عامين تقريباً اتاحت لي شبكة نبض الشوارع فرصة جيدة لقراءة الكثير من الشعراء وكان عبد الرحمن بن مساعد من ضمنهم.
عدت إلى موقع الأمير عبد الرحمن على الشبكة مرات ومرات وصرت أعود إليه كلما وجدت الوقت لذلك.
قرأت شعراً ليس جميلاً فقط بل وخطيراً. فالشاعر عبد الرحمن بن مساعد قال شعر لا يقوله أمير وسلك مسالكاً لم يسلكها قبله احد وشق دروباً لم يشقها الشعراء الأمراء في جرأة غير عادية وشجاعة غير مسبوقة.
اللا يكفي انه صاحب الجملة الشعرية/اللزمة التي جرت على السنة العامة مجرى النار في الهشيم:
عجب عجاب/أمير كذاب.
ولعلي سأحاول مجاراة الأمير في بعض جراءته وشجاعته بقدر ما أستطيع وأنا استدعي مخزون ذاكرتي، لاتذكر في هذا الخصوص هذا البيت الشهير الذي يقفز إلى ذاكرتي كلما قرأت جملة عبد الرحمن بن مساعد الشعرية :
(عجب عجاب/أمير كذاب)، فاتذكر وأنا ابتسم قول احد الشعراء الشيوخ:
(أنا لقيت الكذب مع كل أميري ويا حلو كذب مروية عليها الارماح)!
*** لعبدالرحمن بن مساعد شعبية طاغية وقد لاحظت أن أكثر معجبيه هم من صغار السن وقد أكدّ لي احد اقربائي ذلك
قائلاً:
أن أكثر الشعراء الأمراء شعبية عند الشباب من أصدقائه وزملائه ومعارفه هو عبد الرحمن بن مساعد. قلت له: تعتقد لماذا؟ قال: بسبب جرأته في التحدث عن الطبقة التي ينتمي إليها ونقده للمجتمع بشكل عام وهذا شئ جديد على المجتمع السعودي بشكل خاص والمجتمع الخليجي بشكل عام وهي تجربة لم يطرقها أمير قبله. وفي الحقيقة هذا الكلام صحيح إلى حد بعيد، وقد أعود إلى الكتابة حول هذا الموضوع لأنه ليس بسيطاً بالمرة ويحتاج إلى دراسة وقراءة عميقة.
*** اليوم سأتناول جزئية بسيطة في شعره لها جاذبيتها الخاصة بالنسبة لي كامرأة وشاعرة، ألا وهي رؤيته لعلاقة الرجل بالمرأة وسآخذ صورة واحدة من هذه الجزئية في تجربة الأمير عبد الرحمن واختار قصيدة الوداع التي وجهها إلى
زوجته الأميرة البندر بنت هذلول بن عبد العزيز يقول في القصيدة:
الا يا قلب نبضي ..
يا سما دمي ووجداني
فمان اللي عطاكي كل طهر الأرض ..
أنا ماشي ..
هذا كان اخر مانطق قلبي ..
وأول نبض في لساني
وتلاشى النطق ..
وعصر حزن الوداع اللي حضر قلبك دموع ..
بكت ادفى دموع الخلق ..
وسرى في داخلي برد الخشوع
وغير العطر ودموعك وجرحي من وداعك ..
مابقالي ..
استعفر اللي صورك مما طرالي
طرالي يادفى عمري..
وياترحالي وحلي
ارشف دمعك الطاهر .. واغسلبه واصلي
واحمد ربي اللي بك حباني
الا يا ام اجمل من سكن قلبي
ويا داري وعنواني
فمان اللي عطاكي كل طهر الأرض ..
أنا ماشي ..
*** يعرف الرجال والنساء المتزوجون والمتزوجات مواقف كهذه. لحظة الوداع لدواعي مختلفة، وسفر الشريك قضية مألوفة ودموع النساء في مثل هذه المواقف أكيدة، وأي زوجة لا يثير فيها سفر الزوج وفراقه هواجس وخوف فتتنازعها الوحشة وتخشى الوحدة حتى لو كثر الناس من حولها.
وبالنسبة لمجتمعاتنا من الطبيعي أن تجزع المرأة لفراق اليفها وراعي بيتها، لكن هل جزع الزوج ولهفته والمه شئ مألوف أم انه يثير الاستغراب.
من تجربتي جزع الرجل لفراق زوجته يثير الدهشة في مجتمعاتنا فالرجال بين مستعجب ومستهجن، والنساء بين مندهشات ومستغربات ومتحسرات. وقد تشهق أحداهن قائلة:
وش هالحظ، اللي يكسر الصخر أو اللي عطاها بالكريك يعطينا بالملعقة وقد تقول بدوية:
نبي نقطع من طرف شليلها غدي يصح لنا ربع حظها، هذي واسه كبيرة الحظ اللي يبكي عليها الرجل!
إذن... حب الرجل لزوجته أمر غير متوقع في مجتمعاتنا وحتى لو كان متوقع عند بعض فئات المجتمع فان التعبير عنه والمجاهرة به تعتبر مسألة حظ كبير تتميز بها امرأة بعينها. أما عندما تكون طريقة المجاهرة والتعبير هي الشعر فهنا ترتفع حرارة الاستغراب ودرجة الدهشة.
وإذا كان المجتمع العربي بشكل عام يتحفظ في قضية إظهار الحب والتقدير للزوجة فما بالك بالمجتمع النجدي المعروف
عنه تشدده في مثل هذه الأمور وعندما يكون المجاهر بالحب والتقدير اميراً نجدياً تكون الدهشة اكبر بلا شك.
في هذه القصيدة للأمير عبد الرحمن حب يشعر بصدقه وحرارته وعمقه كل من يفهم أسرار اللغة ودلائل الكلم وتراكيب المفردات وصياغة اللفظ. ويدرك أن عاطفة قوية متدفقة حارة وراء هذا الشعر الذي أمامه. (إلا يا قلب نبضي) هنا يتجلى
الشاعر الذي يحق له ما لا يحق لغيره من تقديم الالفاظ أو تأخيرها في الجملة خدمة للمعنى المراد فيجعل من التركيب
الغير منطقي في الكلام العادي بليغاً مميزاً في الجملة الشعرية وذو دلالة على إحساس كبير وقوي لا يعبر عنه التركيب
المنطقي والمعهود للمفردات.
(إلا يا قلب نبضي يا سما دمي ووجداني) والعادة أن يقول الناس (نبض قلبي) غير أن الشاعر هنا قدم المفردة الاشد أهمية والتي هي مصدر النبض على النبض نفسه في سعي منه لإظهار أقصى ما لديه من عاطفة وإحساس. وقد بادر في بداية الجملة إلى التنبيه ثم أطلق نداء اتبعه بالكثير من العاطفة وتأكيد قيمة الزوجة الحبيبة. ألا... يا... قلب نبضي ثم واجه الحقيقة التي يخشاها كلاهما (الوداع) ولكي يخفف عليها وعلى نفسه وطأة الموقف حاول أن يهون عليهما معاً بقوله بدءاً (ف أمان اللي عطاكي كل طهر الأرض) هنا استدعاء لروح الإيمان والتوكل على الخالق ويشعر كليهما إنها(هي) أمانة لدى الإله الذي لا تضيع الأمانات عنده لكي تهدأ نفس الحبيبة ونفس المحب لها.
ثم أكد ثقته المطلقة بها، وبانها تملك كل طهر الأرض. ويقول مسترجعاً المشهد:
(هذا كان آخر ما نطق قلبي وأول
نبض ف لساني وتلاشى النطق)
إذن أول الكلام واخره أُختصر في جملة واحدة قالت كل شئ، ثم :
(عصر حزن الوداع اللي حضر قلبك دموع)
وهنا تعبير دقيق في صورة شديدة الوضوح ارانا إياها الشاعر قلبها يعصره الوداع حزناً فيتساقط الدمع ومن المعروف لغة انه لا يُعصر إلا الشئ الذي فيه سائل، والقلب بحياته وحيوته وماء الحياة النابض فيه من المؤكد أن عصره (حزناً) سينتج عنه الدمع. وأي دمع؟! انه أدفأ دمع، وفي تناقضية شديدة الحساسية يصف لنا الشاعر كيف أن دمعها على دفئه وسخونته جعل البرد يسري في داخله، فما هو هذا البرد الذي يبعثه الدمع السخين؟
انه برد الخشوع، وهنا لا يصبح التعبير مقبولاً فقط، بل مستساغاً ومميزاً، ويأخذنا الشاعر إلى حكاية النار التي تصبح برداً وسلاماً ثم يستذكر ما علق في حواسه من تلك اللحظة، ويتذكر: العطر (شم) الدموع (نظر) جرحي (إحساس) ثلاث حواس تركت إثرها في وجدانه وفي تلك اللحظة التي زلزلت كيانه وهاله منظر الدمع في عيني حبيبته طاش الجزع بعقله للحظة وكاد أن يرتكب فعلاً لا يصدر إلا عن مسلم عاقل:
(ارشف دمعك الطاهر ورشف الدمع قضية تحتمل العذر واغسل به واصلي)
وهذه الصدمة التي تصيبنا نحن القراء قد سبقنا ومهد لها بقوله:
( استغفر اللي صورك فما طرالي )
هنا قدم الشاعر المَخرج اللغوي والفكري والعاطفي على الواقع الصاخب لما نوى القيام به فلقد نوى لولا انه استغفر(مما طراله)..
نوى أن يغتسل بدمع زوجته ويصلي ويحمدالله أن منحه امرأة مثلها ثم يؤكد العظيم لها تربطه بها صلة لا تقل عظمة وقوة عن الحب إلا وهي إنها أم ابنه، ثم يشدد على إنها هي دارة وهي عنوانه معاكساً العرف الاجتماعي والعادة التي جرت على أن ليس للمرآة دار إلا دار الرجل وان عنوانها هو عنوانه فالرجل هو المالك وصاحب الأمر والمقدم اجتماعياً وقانونياً. وهذا الشعور من الأمير عبد الرحمن نوع من النبل لا يقدر عليه إلا قلة من الرجال ممن لديهم تلك الثقة الكبيرة بالنفس والشجاعة والجرأة غير عابئين بتفسير المجتمع لهذا العشق ولهذا الشعر.
ثم يصل في نهاية النص إلى اللحظة التي عمل على التوطئة لها بكل ما يملك من عاطفة إلا وهي لحظة الوداع ثم عاد ليؤكد من جديد الثقة المطلقة بها:
(ف أمان اللي عطاكي كل طهر الأرض أنا... ماشي). وثقة الرجل الغائب في الزوجة قضية صميمة في عقل أي رجل بل هي أهم عنده من كل شئ في الدنيا. ومن حياته ذاتها.
*** ولي على الصياغة الفنية للنص ملاحظات فلو أن الشاعر قال كلمة (نهر) بدل يا سما، في جملته الشعرية التالية:
(يا سما دمي ووجداني) ، لكان أجمل وابلغ تعبيراً. لان الدم والنهر يجمعهما الجريان ولان النهر يجمعه مع الوجدان شبهه
بالعروق والاوردة المتعلقة بالقلب كما تجمهعما الحركة والتدفق وكون كلاهما حياة، أما الدم والسماء فلا يجمعهما أي رابط من أي ناحية شكلية أو معنوية مع السماء ولا حتى لونية،
ما جعل كلمة سماء تبدو غريبة وغير مستساغة فنياً ومعنوياً، كما أن قوله:
( ارشف دمعك الطاهر واغسل به واصلي). لم يكن في مكانه فلو انه رشف الدمع (شربه) لا يبقه منه شئ لكي يغتسل به كما ان نية الرشف لا تلتقي مع نية الغسل،
ولو قال اجمع دمعك الطاهر... لكان اصح.
*** بشكل عام القصيدة مميزة وجميلة من عدة نواحي كما سبق وذكرت: -
مخالفتها للعرف الاجتماعي وتكريمها للمرأة.
- الوفاء للحبيبة والنبل.
- الطاقة الروحية الكبيرة في القصيدة.
- حرارة العاطفة التي غطت على بعض الهفوات الفنية في النص.
تُذكرنا هذه القصيدة بيتمية ابن زريق البغداري عندما ترك زوجته في بغداد قاصداً الأندلس وقال فيها قصيدة تعد من
روائع الشعر العربي اذكر منها بيتين يصف فيهما بكاءه وبكاءها عند الوداع قائلاً:
وكم تشبّث بي يوم الرحيل ضحى=وادمعـي مستهـلات وادمـعـه
ودعتـه وبـودي لـو يودّعنـي=صفو الوداد واني لا... اودعـه.
حصه هلال (ريميّه )
http://www.rooyl.com/files/sho-37.jpg
بقلم : ريمية
قبل عامين تقريباً اتاحت لي شبكة نبض الشوارع فرصة جيدة لقراءة الكثير من الشعراء وكان عبد الرحمن بن مساعد من ضمنهم.
عدت إلى موقع الأمير عبد الرحمن على الشبكة مرات ومرات وصرت أعود إليه كلما وجدت الوقت لذلك.
قرأت شعراً ليس جميلاً فقط بل وخطيراً. فالشاعر عبد الرحمن بن مساعد قال شعر لا يقوله أمير وسلك مسالكاً لم يسلكها قبله احد وشق دروباً لم يشقها الشعراء الأمراء في جرأة غير عادية وشجاعة غير مسبوقة.
اللا يكفي انه صاحب الجملة الشعرية/اللزمة التي جرت على السنة العامة مجرى النار في الهشيم:
عجب عجاب/أمير كذاب.
ولعلي سأحاول مجاراة الأمير في بعض جراءته وشجاعته بقدر ما أستطيع وأنا استدعي مخزون ذاكرتي، لاتذكر في هذا الخصوص هذا البيت الشهير الذي يقفز إلى ذاكرتي كلما قرأت جملة عبد الرحمن بن مساعد الشعرية :
(عجب عجاب/أمير كذاب)، فاتذكر وأنا ابتسم قول احد الشعراء الشيوخ:
(أنا لقيت الكذب مع كل أميري ويا حلو كذب مروية عليها الارماح)!
*** لعبدالرحمن بن مساعد شعبية طاغية وقد لاحظت أن أكثر معجبيه هم من صغار السن وقد أكدّ لي احد اقربائي ذلك
قائلاً:
أن أكثر الشعراء الأمراء شعبية عند الشباب من أصدقائه وزملائه ومعارفه هو عبد الرحمن بن مساعد. قلت له: تعتقد لماذا؟ قال: بسبب جرأته في التحدث عن الطبقة التي ينتمي إليها ونقده للمجتمع بشكل عام وهذا شئ جديد على المجتمع السعودي بشكل خاص والمجتمع الخليجي بشكل عام وهي تجربة لم يطرقها أمير قبله. وفي الحقيقة هذا الكلام صحيح إلى حد بعيد، وقد أعود إلى الكتابة حول هذا الموضوع لأنه ليس بسيطاً بالمرة ويحتاج إلى دراسة وقراءة عميقة.
*** اليوم سأتناول جزئية بسيطة في شعره لها جاذبيتها الخاصة بالنسبة لي كامرأة وشاعرة، ألا وهي رؤيته لعلاقة الرجل بالمرأة وسآخذ صورة واحدة من هذه الجزئية في تجربة الأمير عبد الرحمن واختار قصيدة الوداع التي وجهها إلى
زوجته الأميرة البندر بنت هذلول بن عبد العزيز يقول في القصيدة:
الا يا قلب نبضي ..
يا سما دمي ووجداني
فمان اللي عطاكي كل طهر الأرض ..
أنا ماشي ..
هذا كان اخر مانطق قلبي ..
وأول نبض في لساني
وتلاشى النطق ..
وعصر حزن الوداع اللي حضر قلبك دموع ..
بكت ادفى دموع الخلق ..
وسرى في داخلي برد الخشوع
وغير العطر ودموعك وجرحي من وداعك ..
مابقالي ..
استعفر اللي صورك مما طرالي
طرالي يادفى عمري..
وياترحالي وحلي
ارشف دمعك الطاهر .. واغسلبه واصلي
واحمد ربي اللي بك حباني
الا يا ام اجمل من سكن قلبي
ويا داري وعنواني
فمان اللي عطاكي كل طهر الأرض ..
أنا ماشي ..
*** يعرف الرجال والنساء المتزوجون والمتزوجات مواقف كهذه. لحظة الوداع لدواعي مختلفة، وسفر الشريك قضية مألوفة ودموع النساء في مثل هذه المواقف أكيدة، وأي زوجة لا يثير فيها سفر الزوج وفراقه هواجس وخوف فتتنازعها الوحشة وتخشى الوحدة حتى لو كثر الناس من حولها.
وبالنسبة لمجتمعاتنا من الطبيعي أن تجزع المرأة لفراق اليفها وراعي بيتها، لكن هل جزع الزوج ولهفته والمه شئ مألوف أم انه يثير الاستغراب.
من تجربتي جزع الرجل لفراق زوجته يثير الدهشة في مجتمعاتنا فالرجال بين مستعجب ومستهجن، والنساء بين مندهشات ومستغربات ومتحسرات. وقد تشهق أحداهن قائلة:
وش هالحظ، اللي يكسر الصخر أو اللي عطاها بالكريك يعطينا بالملعقة وقد تقول بدوية:
نبي نقطع من طرف شليلها غدي يصح لنا ربع حظها، هذي واسه كبيرة الحظ اللي يبكي عليها الرجل!
إذن... حب الرجل لزوجته أمر غير متوقع في مجتمعاتنا وحتى لو كان متوقع عند بعض فئات المجتمع فان التعبير عنه والمجاهرة به تعتبر مسألة حظ كبير تتميز بها امرأة بعينها. أما عندما تكون طريقة المجاهرة والتعبير هي الشعر فهنا ترتفع حرارة الاستغراب ودرجة الدهشة.
وإذا كان المجتمع العربي بشكل عام يتحفظ في قضية إظهار الحب والتقدير للزوجة فما بالك بالمجتمع النجدي المعروف
عنه تشدده في مثل هذه الأمور وعندما يكون المجاهر بالحب والتقدير اميراً نجدياً تكون الدهشة اكبر بلا شك.
في هذه القصيدة للأمير عبد الرحمن حب يشعر بصدقه وحرارته وعمقه كل من يفهم أسرار اللغة ودلائل الكلم وتراكيب المفردات وصياغة اللفظ. ويدرك أن عاطفة قوية متدفقة حارة وراء هذا الشعر الذي أمامه. (إلا يا قلب نبضي) هنا يتجلى
الشاعر الذي يحق له ما لا يحق لغيره من تقديم الالفاظ أو تأخيرها في الجملة خدمة للمعنى المراد فيجعل من التركيب
الغير منطقي في الكلام العادي بليغاً مميزاً في الجملة الشعرية وذو دلالة على إحساس كبير وقوي لا يعبر عنه التركيب
المنطقي والمعهود للمفردات.
(إلا يا قلب نبضي يا سما دمي ووجداني) والعادة أن يقول الناس (نبض قلبي) غير أن الشاعر هنا قدم المفردة الاشد أهمية والتي هي مصدر النبض على النبض نفسه في سعي منه لإظهار أقصى ما لديه من عاطفة وإحساس. وقد بادر في بداية الجملة إلى التنبيه ثم أطلق نداء اتبعه بالكثير من العاطفة وتأكيد قيمة الزوجة الحبيبة. ألا... يا... قلب نبضي ثم واجه الحقيقة التي يخشاها كلاهما (الوداع) ولكي يخفف عليها وعلى نفسه وطأة الموقف حاول أن يهون عليهما معاً بقوله بدءاً (ف أمان اللي عطاكي كل طهر الأرض) هنا استدعاء لروح الإيمان والتوكل على الخالق ويشعر كليهما إنها(هي) أمانة لدى الإله الذي لا تضيع الأمانات عنده لكي تهدأ نفس الحبيبة ونفس المحب لها.
ثم أكد ثقته المطلقة بها، وبانها تملك كل طهر الأرض. ويقول مسترجعاً المشهد:
(هذا كان آخر ما نطق قلبي وأول
نبض ف لساني وتلاشى النطق)
إذن أول الكلام واخره أُختصر في جملة واحدة قالت كل شئ، ثم :
(عصر حزن الوداع اللي حضر قلبك دموع)
وهنا تعبير دقيق في صورة شديدة الوضوح ارانا إياها الشاعر قلبها يعصره الوداع حزناً فيتساقط الدمع ومن المعروف لغة انه لا يُعصر إلا الشئ الذي فيه سائل، والقلب بحياته وحيوته وماء الحياة النابض فيه من المؤكد أن عصره (حزناً) سينتج عنه الدمع. وأي دمع؟! انه أدفأ دمع، وفي تناقضية شديدة الحساسية يصف لنا الشاعر كيف أن دمعها على دفئه وسخونته جعل البرد يسري في داخله، فما هو هذا البرد الذي يبعثه الدمع السخين؟
انه برد الخشوع، وهنا لا يصبح التعبير مقبولاً فقط، بل مستساغاً ومميزاً، ويأخذنا الشاعر إلى حكاية النار التي تصبح برداً وسلاماً ثم يستذكر ما علق في حواسه من تلك اللحظة، ويتذكر: العطر (شم) الدموع (نظر) جرحي (إحساس) ثلاث حواس تركت إثرها في وجدانه وفي تلك اللحظة التي زلزلت كيانه وهاله منظر الدمع في عيني حبيبته طاش الجزع بعقله للحظة وكاد أن يرتكب فعلاً لا يصدر إلا عن مسلم عاقل:
(ارشف دمعك الطاهر ورشف الدمع قضية تحتمل العذر واغسل به واصلي)
وهذه الصدمة التي تصيبنا نحن القراء قد سبقنا ومهد لها بقوله:
( استغفر اللي صورك فما طرالي )
هنا قدم الشاعر المَخرج اللغوي والفكري والعاطفي على الواقع الصاخب لما نوى القيام به فلقد نوى لولا انه استغفر(مما طراله)..
نوى أن يغتسل بدمع زوجته ويصلي ويحمدالله أن منحه امرأة مثلها ثم يؤكد العظيم لها تربطه بها صلة لا تقل عظمة وقوة عن الحب إلا وهي إنها أم ابنه، ثم يشدد على إنها هي دارة وهي عنوانه معاكساً العرف الاجتماعي والعادة التي جرت على أن ليس للمرآة دار إلا دار الرجل وان عنوانها هو عنوانه فالرجل هو المالك وصاحب الأمر والمقدم اجتماعياً وقانونياً. وهذا الشعور من الأمير عبد الرحمن نوع من النبل لا يقدر عليه إلا قلة من الرجال ممن لديهم تلك الثقة الكبيرة بالنفس والشجاعة والجرأة غير عابئين بتفسير المجتمع لهذا العشق ولهذا الشعر.
ثم يصل في نهاية النص إلى اللحظة التي عمل على التوطئة لها بكل ما يملك من عاطفة إلا وهي لحظة الوداع ثم عاد ليؤكد من جديد الثقة المطلقة بها:
(ف أمان اللي عطاكي كل طهر الأرض أنا... ماشي). وثقة الرجل الغائب في الزوجة قضية صميمة في عقل أي رجل بل هي أهم عنده من كل شئ في الدنيا. ومن حياته ذاتها.
*** ولي على الصياغة الفنية للنص ملاحظات فلو أن الشاعر قال كلمة (نهر) بدل يا سما، في جملته الشعرية التالية:
(يا سما دمي ووجداني) ، لكان أجمل وابلغ تعبيراً. لان الدم والنهر يجمعهما الجريان ولان النهر يجمعه مع الوجدان شبهه
بالعروق والاوردة المتعلقة بالقلب كما تجمهعما الحركة والتدفق وكون كلاهما حياة، أما الدم والسماء فلا يجمعهما أي رابط من أي ناحية شكلية أو معنوية مع السماء ولا حتى لونية،
ما جعل كلمة سماء تبدو غريبة وغير مستساغة فنياً ومعنوياً، كما أن قوله:
( ارشف دمعك الطاهر واغسل به واصلي). لم يكن في مكانه فلو انه رشف الدمع (شربه) لا يبقه منه شئ لكي يغتسل به كما ان نية الرشف لا تلتقي مع نية الغسل،
ولو قال اجمع دمعك الطاهر... لكان اصح.
*** بشكل عام القصيدة مميزة وجميلة من عدة نواحي كما سبق وذكرت: -
مخالفتها للعرف الاجتماعي وتكريمها للمرأة.
- الوفاء للحبيبة والنبل.
- الطاقة الروحية الكبيرة في القصيدة.
- حرارة العاطفة التي غطت على بعض الهفوات الفنية في النص.
تُذكرنا هذه القصيدة بيتمية ابن زريق البغداري عندما ترك زوجته في بغداد قاصداً الأندلس وقال فيها قصيدة تعد من
روائع الشعر العربي اذكر منها بيتين يصف فيهما بكاءه وبكاءها عند الوداع قائلاً:
وكم تشبّث بي يوم الرحيل ضحى=وادمعـي مستهـلات وادمـعـه
ودعتـه وبـودي لـو يودّعنـي=صفو الوداد واني لا... اودعـه.
حصه هلال (ريميّه )