المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ... وكأنه لا شجن جارح سوى هنا


صالح القرني
09-06-2005, 07:40 AM
http://garni91.jeeran.com/gkl.jpg


في الساعة التي فرغ فيها الأمبراطور المغوليّ شاه جهان من دفن زوجته الحبيبة ومختارة القلب '' أرْجمند ''. وقف على حافة نهر '' يامونا '' يتأمل في صمت حزين حياة واراها للتو في الضفة الأخرى من النهر، كانت حافلة بالحب، والسفر، والأولاد، والانتصارات العظيمة...
كان وجه أرْجمند ' المعروفة باسم ممتاز محل أو مختارة القصر يتموّج على صفحة النهر الصافية ويجلب معه في تلك اللحظة المتأخرة من أصيل يوم حزين أشتات صور لأيام وسنين ليس بوسع القلب العاشق الحنون طمسها.. وكان الامبراطور العاشق يتضرع لتلك اللحظات أن تنهض من رقادها، وصار حنينه يفتح ذراعيه على أقصى مداها.. لقد هم بالنهوض، ولكن شيء ما طرأ في ذهنه..
كيف يمكن أن يجعل للشوق مأوى يُنظر إليه من بعيد..؟
كيف يمكن أن يقبض على هذا الوجه في هذا المكان وملامحه الفاتنة تتدرّع بلوتس الحكايا ورؤى الناي..
تقيه من برودة الزمن وحوافر الوحشة..
ويجعل العالم بأسرة يهوى إليه ، ويكون رمزا ومزارا.....
تعاظمت الفكرة الطارئة للتو في ذهن شاه جهان وهو المغرم بفن العمارة والنحت.
وحين التفت تبدأ له من بعيد ضريح أمه '' نور جهان '' التي ابتنت لأبيه الملك '' جهانكير '' ضريحا باذخا في حديقة فردوسيه مترامية الأطراف على طرف من مدينة لاهور.
كان أجداده الأباطرة المغوليون مولعين بفن العمارة والنحت وإقامة الأبنية البديعة المرصعة بالحجارة الكريمة تتشامخ في الفضاء متصلة في نظام هندسي تتخللها الأنهار، وتطوف بها البساتين اليانعة.
كان شاه جهان في تمام السنة الرابعة من حكمه لأواسط الهند وشمالها، وكانت ساعة التاريخ في تمام بداية الربع الثاني من القرن السابع الهجري.. وهي السنة التي ماتت فيها زوجته وملهمته، حين شرع بإقامة الضريح لها في '' أكرا ''، واستمر في بنائه اثنين وعشرين عاما، أنجزه عشرون ألف عامل من أبرع الحرفيين في كل الدنيا، وسط حديقة غناء على ضفة نهر '' يامونا ''.. ليبدو وكأنه لؤلؤة أسطورية وسط الزبرجد تتموج على حافة الماء، وفاء للزوجة التي بادلته الحب والوفاء (19) عاما، ورافقته في حله وترحاله، وأنجبت له (14) ولدا ، وماتت وهي في مخاض ولادتها الأخيرة...
ولما تزل في التاسعة والثلاثين من عمرها.
'' تاج محل '' الذي أصبح إحدى عجائب الدنيا السبع، لا تتمثل أعجوبته في دقة معماره وكمال تناسب أجزائه، والصفاء المطلق لبياضه المقدود من المرمر فحسب.. ولكن في ذلك الإحساس به عند مشاهدته، وكأن هذا المبنى المهيب ' خفيف ' ومسحور، إلى الحد الذي يبدو معه وكأنه يوشك على الارتفاع والاختفاء في زرقة السماء، والتلاشي في بياض السحب.
تقول لافته صغيرة محفورة على البوابة الكبرى لمنطقة '' قصر التاج '':
'' تاج محل بناه بين عامي ( 1631 ـ 1653 ) الأمبراطور شاه جهان ليكون ضريحا لزوجته أرْجَمَنْد، المعروفة باسم ممتاز محل (مختارة القصر)، وهي ابنة آصف خان، ولدت عام 1612 وتوفيت عام 1631 بعد أن وضعت طفلها الرابع عشر، ودفن الأمبراطور عند وفاته إلى جوارها'.
ولكن اللافتة لم تذكر أن شاه جهان وأرجمند ولدا في العام نفسه، وتزوجا وهما في العشرين من العمر، وبعد زواجهما بخمسة عشر عاما تولى العرش، وأنه في السنة السادسة والعشرين من حكمة كان قد فرغ من بناء رائعته التي خلدته وخلدتها، ولم يتبق له من صولجان الحكم والسيادة سوى خمس سنوات أشغلته بمحاولة التحكم في الصراع الذي اندلع وتصاعد بين أبنائه على سيادة الحكم، ويقوده ابنه المنتصر بعد أن هده المرض والحزن إلى الحبس في منطقة تطل من البعيد على تاج محل، ليقضى فيها ما تبقى له من أيام موحشة، يطل بحزن مرير من نوافذ الحجرات إلى الضريح البعيد على الضفة الأخرى من النهر، ومشاهد تاج محل تتوالى بين الوضوح التام والإبهام الشجي الذي يكاد يقارب الوهم، إلى أن مات عام 1666 ودفن بجوار زوجته، دون أن تكتمل رغبته في بناء ضريح له من الرخام الأسود على الضفة الأخرى من النهر لينعكس المحسوس بظله،ويمد الصلة بين الجسد كشيء فان والروح كشيء باق.
تنتهي الأسطر القليلة للافتة الخالدة، ولكن دهشة كل من رأى '' تاج محل '' لا تنتهي ..
يقول الفيلسوف " ادوار لير " عندما رأى تاج محل لأول مرة ، وقد غشته الرهبة والأنبهار حتى أنه صاح : " من الآن فصاعدا يجب أن ينقسم سكان الأرض إلى فئتين ، أولئك الذين شاهدوا تاج محل ، وأولئك الذين لم يشاهدوه " ..


.....
.


http://garni91.jeeran.com/unti.jpg

صالح السهيمي
31-07-2005, 05:13 PM
العزيز صالح القرني
ولتاج محل " الاسطورة "
مكان مفتوح يمتد على جغرافية.
والسر في ذلك جمالية الامكنة المفتوحة
وروعتها الجمالية .
الجمالية التي تحلق بنا في الأفق
بعيدا صوب .....
دمت متألقا وجميلا.

صالح القرني
08-08-2005, 04:08 AM
.
.
.


الصديق / صالح السهيمي

إنها الذخائرا التي تتحصّن بعيدا
حتى كاد عطرها من فرط النسيان
أن يختنق في قواريره

تاج محل
وهو يرنو بفيض حنون
لـ الشجن الصاعد من مآذنه الشاهقة ..
لكنه أبدا ...
لا أحد ، لا مس الأجنحة التي تشرب
من فيضه الحميم
إنها المفارقة
التي ختمت بأغلالها
على الأرواح الحية
التي تعبر من هناك
ولا تصعد من شهقتها

.
.
.

ضيف الله ذائب
08-08-2005, 10:55 PM
الحبيب صالح القرني
شاهدوا تاج محل !
بِكُل واقعية رأينها وشاهدنها بأكثر من تجرد هنا
يال روعتك . :r18:

صالح القرني
02-09-2005, 08:31 PM
.
.
.



وكأنك تشيع رغبتي بأن أتمادى في الحنين
أو أنني أتوسد ذراعيّ تحت وابل ٍ من وشوشة ناي
مدّ لي من طرف الوشاح .......
بي رغبة شديدة لأن ، ألثم رائحة
تطل على من الأقاصي


ضيف الله
أقبل فقد تصاعد بخورك في المداخل



.
.
.

عبدالله الحارثي
05-05-2006, 07:03 PM
صالح ..

وكأن ( تاج محل ) لف بطوق من ياسمين .

الكتابة عن السحر لابد أن تكون بهكذا سحر ..
حتى تهدينا الروعة بكامل أناقتها ، ولياقتها ..!

كتاباتك ..
عناقيد محملة بثمر شهي ..!

عبدالرحمن الحسيني
06-05-2006, 11:47 PM
من هذه اللحظة
سوف انتمي
الى الفئة التي شاهدت تاج محل
وسوف اجيّر هذه المشاهدة لصالحك ياصالح القرني
لك كل الود.

صالح القرني
05-06-2006, 12:25 AM
إنها مدائح الحنين
تلك التي تهب الوتر العاكف على أسراره
فن ذهاب التصوف تحت نجوم الدنيا
تاج محل : يهب شرود بوحه
إلى حيث ينظر النهر إلى الطيف الحنون
الذي استودعه في مكان ما في أجنحة الغيم

عبد الله ..........
بي رغبة شديدة الآن
لأن ألثم تلك المآذن الشاهقة


شكرا لمرورك الزاهي

.
.
.