صالح السهيمي
18-06-2005, 10:43 AM
تهميش لعكـاز مـن حــديد .
" ليس مهماً أن تسقطوا فـي الوحل . . . مادام هناك ماء نظيف "
" والدي "
كنت أسير بتؤدة بجانب ذلك النهر العظيم في إحدى الدول العربية . أسير بقدمين أثقلها الطين . فجأة تفيض مياه النهر أو ربما أتوهم ذلك . أحسست بالدوار . تمنيت أن علبة المسكّن معي(panadol) . ولكن ما يعالج رأسي من دواره هذا ! من يداويه ولو للحظات! جاس ناظريّ فـي الحقول الخضراء الممتدة على جانبي النهر رأيت الأشجار المختلفة .والشجيرات . و تلك الواقفة . الواقفة بصمت المكان . تمايلتْ قليلاً . تمايلَ جسدي مع ميلها يمنة ويسره . حتى كأني أستثير غضب صداعي الذي أنهك رأسي بالوجع .
حدثني والدي أنها كانت "شجيرة صغيرة" قبل خمسين عاما وكان يلعب تحتها ذات يوم زمن البراءة واحترام الذات.
- سبحان الله !!
- سبحان الله !!!
- صحيح ( يموت الشجر واقف وظل الشجر ما مات )!!
ولساني يدندن حتى أصبحت أغنية فـي فمي.نظرت إلى مياه النهر مرة أخرى أحسست به يفيض "حقيقة" حاولت الهرب ؛ لكن قدماي لا تساعدانني للمضي قدماً.تذكرت مقولة والدي" أن الحلم لا يصبح حقيقة إلا إذا عزم المرء على أن يغرق سفنه وقواربه فـي بحاره السوداء "؛ ليتأكد من واقعه الذي يعيش فيه ويقرأه جيداً إن أراد تحويل الحلم إلى حقيقة . إن أراد ذلك !!.
هبّت رياح الخريف ولم تبق سوى وريقات عنيدة فـي تلك "الواقفة" التي لفتت انتباهي منذ الوهلة الأولى .لا أحد يريد الخريف ! ولكن الإباء الذي نتعلمه من هذه الوريقات.كثيرمن
يطلبه !!
اقتربت منها حتى التصقت بجذعها اتكأت عليه .أسندت ظهري أخرجت " سكيني " لأعبث بجذعها الصامد طوال هذه السنين . نقشت عليها اسمي واسم والدي ؛ ليتبادر إلى ذهني شيخ هرم بلغ من العمر عتياً . وربما بلغ الثمانين أو التسعين . لا أجزم بعمره ولا والدتي التي تخبىء عني العمر الحقيقي لشيخها " الهرم " لأمور أجهلها !! ولكني صرت جازماً أن عمره ثمانون عاماً بالتأكيد ؛ لأنه عندما حدثني عن تلك الشجرة التي عبث بها الخريف ذات يوم قبل ثلاثين عاماً عندما بلغت العاشرة كان عمره خمسون خريفاً !!
انحنى ظهره . وفقد ناظريه . وثقل سمعه .حتى الصلاة ( يصلي فرض ويترك فروض ) ويسأل عن الوقت كثيراً . يصلي أحياناً بدون وضوء .وفـي بعض الأحايين يضع المصحف على صدره ؛ ليطمئن به قلبه الهرم .الذي زلزلته الأعوام .صار أقل نبضاً . يفتش عن موت قريب . عن حرية الحياة الأبدية . عندما يرخي الليل ستائره الداكنة اللون . المتجهمة الوجه يردد " إنه قطار ضائع فـي الليل . ويترصده بعناية فائقة قرش الهاوية "*
سألته ذات مساء عن قرش الهاوية ؟!!
ردّ بصوت هارب في الخفاء :
- يا ولدي قرش الهاوية شيء مخيف . شبح الحياة !!
- هل هو سكة الحديد المتهالكة !!
- حاولت أن أرفع صوتي بكل ما أوتيت من قوة :
- هل هو أستاذ الرياضيات !!
- لا ؛ يا جحش !!
- قرش الهاوية " الموت الذي تفرون منه "
كتبت اسمي كاملاً وما فاض عن ذاكرتي الهشة من خواطر خجلى على جذع الشجرة .
تضاريس الخوف تقذف بملامح وجهي التائه بين هذه الأشجار التي تعبث بأحاسيسي النابضة بالشك اليقظ . المتجدد بالشؤم والكآبة .
غياب مؤقت :
تتلاشى الصور أمام عينيه والقوة تعبث بذاكرة السراب . وزوجته" عاهرة" تعانق الرجال كل ليلة . لم تقم بخدمته يوماً قط ! .
- يا أوغاد !!
- أين العشاء؟!!
تدخل والدتي بالطعام فـي الساعة الثامنة مساء مستغفرة ربها تقدم له الخبز . تبلّه ب"الإيدام" قليلاً . تبرّده . تدعو له الثبات عند الموت وحسن الختام . يتعشى . يشرب الماء . يغط فـي نوم عميق . عميق جداً !!
حضور مكثف :
يستيقظ صباحاً قبل الفجر . يصلي . يطلب القهوة . تأتي بها زوجته" الطاهرة" . يشكرها .
- الله يرضى عليك !!
- كيف حالك يا " أبو حسن " ؟
- بخير ؛ الله يعطيك الصحة !!
أخذ يدندن بقصائده الشعبية وأروع ما سمعه عن شعراء المناطق المجاورة . يحفظ الشعر بأنواعه. يرتشف القهوة رشفة تلو أخرى . ويسرد لي قصص الأوائل وعلوم القبائل . وسقطات الشيوخ !!
سقطت الأوراق الصفراء عندما هززت الجذع بنشوة الفرح من جوّ ذلك اليوم البهيج . تمددت البهجة حقولاً خضراء بداخلي . روعة المكان أنساني تفاصيل كثيرة من حياتي الماضية الممتلئة بالأسى و " القرف "و" مخاصمة الأخوان" .مشادات كلامية على شبر من الأرض بين أقربائي .حتى أن الأمر أوصلهم المقاطعة فيما بينهم .وروعة المكان أيضا ذكرني بمداعبات بريئة مع بنت جارنا المتصف بالطيبة "المهشمة" لكياني . عندما رفض خطبتي لابنته الجميلة وكان أول السقوط !
أخذت أسير بحذر وبينما أنظر عالياً إلى طائر جميل فوق فنن رطيب عثرت قدمي وسقطت على الأرض ليتواصل سقوط الأوراق الصفراء على جسدي المهمش عن ذاكرة الجميع . تبادر إلى ذهني كلام والدي يرحمه الله . عندما يردد "كل دقه بتعليمه " إذا رأى أحدهم يتعثر . سقط ذلك الطود . وليته لم يسقط . حتى أتعلم منه المزيد . واستزيد من سحارته ,وتجاربه, وصدقه ,وكذبه الجميل . ومداعبته . وسطوته . وجبروته . .وتناقضه وعصيانه . كان سقوطه عظيماً على قلب والدتي لم أبك عليه !. وإنما كان بكائي صهيلاً يطوّق الأسى بداخلي . نشيجي بصمت المكان وروعته . يريح عني البكاء . لا أحد هنا . المكان فارغ إلا من بكائي !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
* للشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سنغور
" ليس مهماً أن تسقطوا فـي الوحل . . . مادام هناك ماء نظيف "
" والدي "
كنت أسير بتؤدة بجانب ذلك النهر العظيم في إحدى الدول العربية . أسير بقدمين أثقلها الطين . فجأة تفيض مياه النهر أو ربما أتوهم ذلك . أحسست بالدوار . تمنيت أن علبة المسكّن معي(panadol) . ولكن ما يعالج رأسي من دواره هذا ! من يداويه ولو للحظات! جاس ناظريّ فـي الحقول الخضراء الممتدة على جانبي النهر رأيت الأشجار المختلفة .والشجيرات . و تلك الواقفة . الواقفة بصمت المكان . تمايلتْ قليلاً . تمايلَ جسدي مع ميلها يمنة ويسره . حتى كأني أستثير غضب صداعي الذي أنهك رأسي بالوجع .
حدثني والدي أنها كانت "شجيرة صغيرة" قبل خمسين عاما وكان يلعب تحتها ذات يوم زمن البراءة واحترام الذات.
- سبحان الله !!
- سبحان الله !!!
- صحيح ( يموت الشجر واقف وظل الشجر ما مات )!!
ولساني يدندن حتى أصبحت أغنية فـي فمي.نظرت إلى مياه النهر مرة أخرى أحسست به يفيض "حقيقة" حاولت الهرب ؛ لكن قدماي لا تساعدانني للمضي قدماً.تذكرت مقولة والدي" أن الحلم لا يصبح حقيقة إلا إذا عزم المرء على أن يغرق سفنه وقواربه فـي بحاره السوداء "؛ ليتأكد من واقعه الذي يعيش فيه ويقرأه جيداً إن أراد تحويل الحلم إلى حقيقة . إن أراد ذلك !!.
هبّت رياح الخريف ولم تبق سوى وريقات عنيدة فـي تلك "الواقفة" التي لفتت انتباهي منذ الوهلة الأولى .لا أحد يريد الخريف ! ولكن الإباء الذي نتعلمه من هذه الوريقات.كثيرمن
يطلبه !!
اقتربت منها حتى التصقت بجذعها اتكأت عليه .أسندت ظهري أخرجت " سكيني " لأعبث بجذعها الصامد طوال هذه السنين . نقشت عليها اسمي واسم والدي ؛ ليتبادر إلى ذهني شيخ هرم بلغ من العمر عتياً . وربما بلغ الثمانين أو التسعين . لا أجزم بعمره ولا والدتي التي تخبىء عني العمر الحقيقي لشيخها " الهرم " لأمور أجهلها !! ولكني صرت جازماً أن عمره ثمانون عاماً بالتأكيد ؛ لأنه عندما حدثني عن تلك الشجرة التي عبث بها الخريف ذات يوم قبل ثلاثين عاماً عندما بلغت العاشرة كان عمره خمسون خريفاً !!
انحنى ظهره . وفقد ناظريه . وثقل سمعه .حتى الصلاة ( يصلي فرض ويترك فروض ) ويسأل عن الوقت كثيراً . يصلي أحياناً بدون وضوء .وفـي بعض الأحايين يضع المصحف على صدره ؛ ليطمئن به قلبه الهرم .الذي زلزلته الأعوام .صار أقل نبضاً . يفتش عن موت قريب . عن حرية الحياة الأبدية . عندما يرخي الليل ستائره الداكنة اللون . المتجهمة الوجه يردد " إنه قطار ضائع فـي الليل . ويترصده بعناية فائقة قرش الهاوية "*
سألته ذات مساء عن قرش الهاوية ؟!!
ردّ بصوت هارب في الخفاء :
- يا ولدي قرش الهاوية شيء مخيف . شبح الحياة !!
- هل هو سكة الحديد المتهالكة !!
- حاولت أن أرفع صوتي بكل ما أوتيت من قوة :
- هل هو أستاذ الرياضيات !!
- لا ؛ يا جحش !!
- قرش الهاوية " الموت الذي تفرون منه "
كتبت اسمي كاملاً وما فاض عن ذاكرتي الهشة من خواطر خجلى على جذع الشجرة .
تضاريس الخوف تقذف بملامح وجهي التائه بين هذه الأشجار التي تعبث بأحاسيسي النابضة بالشك اليقظ . المتجدد بالشؤم والكآبة .
غياب مؤقت :
تتلاشى الصور أمام عينيه والقوة تعبث بذاكرة السراب . وزوجته" عاهرة" تعانق الرجال كل ليلة . لم تقم بخدمته يوماً قط ! .
- يا أوغاد !!
- أين العشاء؟!!
تدخل والدتي بالطعام فـي الساعة الثامنة مساء مستغفرة ربها تقدم له الخبز . تبلّه ب"الإيدام" قليلاً . تبرّده . تدعو له الثبات عند الموت وحسن الختام . يتعشى . يشرب الماء . يغط فـي نوم عميق . عميق جداً !!
حضور مكثف :
يستيقظ صباحاً قبل الفجر . يصلي . يطلب القهوة . تأتي بها زوجته" الطاهرة" . يشكرها .
- الله يرضى عليك !!
- كيف حالك يا " أبو حسن " ؟
- بخير ؛ الله يعطيك الصحة !!
أخذ يدندن بقصائده الشعبية وأروع ما سمعه عن شعراء المناطق المجاورة . يحفظ الشعر بأنواعه. يرتشف القهوة رشفة تلو أخرى . ويسرد لي قصص الأوائل وعلوم القبائل . وسقطات الشيوخ !!
سقطت الأوراق الصفراء عندما هززت الجذع بنشوة الفرح من جوّ ذلك اليوم البهيج . تمددت البهجة حقولاً خضراء بداخلي . روعة المكان أنساني تفاصيل كثيرة من حياتي الماضية الممتلئة بالأسى و " القرف "و" مخاصمة الأخوان" .مشادات كلامية على شبر من الأرض بين أقربائي .حتى أن الأمر أوصلهم المقاطعة فيما بينهم .وروعة المكان أيضا ذكرني بمداعبات بريئة مع بنت جارنا المتصف بالطيبة "المهشمة" لكياني . عندما رفض خطبتي لابنته الجميلة وكان أول السقوط !
أخذت أسير بحذر وبينما أنظر عالياً إلى طائر جميل فوق فنن رطيب عثرت قدمي وسقطت على الأرض ليتواصل سقوط الأوراق الصفراء على جسدي المهمش عن ذاكرة الجميع . تبادر إلى ذهني كلام والدي يرحمه الله . عندما يردد "كل دقه بتعليمه " إذا رأى أحدهم يتعثر . سقط ذلك الطود . وليته لم يسقط . حتى أتعلم منه المزيد . واستزيد من سحارته ,وتجاربه, وصدقه ,وكذبه الجميل . ومداعبته . وسطوته . وجبروته . .وتناقضه وعصيانه . كان سقوطه عظيماً على قلب والدتي لم أبك عليه !. وإنما كان بكائي صهيلاً يطوّق الأسى بداخلي . نشيجي بصمت المكان وروعته . يريح عني البكاء . لا أحد هنا . المكان فارغ إلا من بكائي !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
* للشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سنغور